ابن قيم الجوزية
174
البدائع في علوم القرآن
أولها ، أن يحب أحدهم ذلك ، فكما أن هذا مكروه في طباعهم فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره ؟ فاحتج عليهم بما كرهوه على ما أحبوه ، وشبه لهم ما يحبونه بما هو أكره شيء إليهم ، وهم أشد شيء نفرة عنه ، فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة أن يكونوا أشد شيء نفرة ، عما هو نظيره ومشبهه ، وباللّه التوفيق . مثل من حمّل الكتاب ولم يعمل به ومنها قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 5 ) [ الجمعة ] ، فقاس من حمّله - سبحانه - كتابه ، ليؤمن به ويتدبره ، ويعمل به ، ويدعو إليه ثم خالف ذلك ، ولم يحمله إلا على ظهر قلب ، فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ، ولا اتباع له ، وتحكيم له ، وعمل بموجبه ، كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها ، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا ، فحظه من كتاب اللّه كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره . فهذا المثل ، وإن كان قد ضرب لليهود ؛ فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن ، فترك العمل به ، ولم يؤد حقه ، ولم يرعه حق رعايته . مثل للكفار ومثلان للمؤمنين ومنها قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ( 10 ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 11 ) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ( 12 ) [ التحريم ] فاشتملت هذه الآيات على ثلاثة أمثال : مثل للكفار ، ومثلين للمؤمنين . فتضمن مثل الكفار : أن الكافر يعاقب على كفره وعداوته للّه ورسوله وأوليائه ، ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين من لحمة نسب ، أو وصلة صهر ، أو سبب من أسباب الاتصال ، فإن الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلا باللّه وحده على أيدي رسله ، فلو نفعت وصلة القرابة والمصاهرة أو النكاح مع عدم الإيمان ، لنفعت الوصلة التي